منع النبي (ص) من التأمين على الأمة من الضلال وإتهامه بالهجر

 

 

ثمّ تابع بقوله : إنّ من أكبر المصائب التي جرت على رسولنا الكريم حينما كان على فراش الموت وطلب من الصحابة أن يأتوه بكتف ودواة لكي يكتب لهم وصيّة لن يضلّوا بعدها , فاتّهموا النبيّ أنّه هجر ( يهذي )! وحينما نراجع الروايات في البخاري ومسلم نجد أكثر من عشر أحاديث في خصوص الرزيّة ، وكلّ الروايات تجمع أنّ الذي تزعّم منع النبيّ من كتابة وصيّته هو عمر بن الخطّاب :
1 - في صحيح البخاري ( 5 : 138 ) ، عن إبن عبّاس (ر) ما : قال : ( لمّا حضر رسول الله (ص) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب ، قال النبيّ (ص) : هلّم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده , فقال عمر : إنّ النبيّ (ص) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله ، فإختلف أهل البيت فإختصموا ، منهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم النبيّ (ص) كتاباً لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغو والإختلاف عند النبيّ (ص) قال رسول الله (ص) : قوموا ، قال عبيد الله : فكان إبن عبّاس يقول : إنّ الرزيّة كُلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من إختلافهم ولغطهم ).
2 - وفي حديث آخر في صحيح البخاري ( 4 : 31 ) ، قال النبيّ (ص) : ( أئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً ، فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله (ص) ، قال : دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه ، وأوصى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحوما كنت أجيزهم ، ونسيت الثالثة ).
هنا قاطعت الأخ مجتبى بقولي : على رسلك يا أخي ، الروايات لم تقل: إنّ عمر هو الذي قال إنّ النبيّ يهجر ، فقال الأخ مجتبى : لو راجعت الراويات يا أخي حسين ، سيتبيّن لك أنّ من نقل الحديث حاول بكُلّ الطرق أن لا يذكر إسم عمر حينما يأتي بلفظ يهجر ، وحينما يذكر إسم عمر يقول : إنّ عمر قال : غلب عليه الوجع , ولكن دعني أسالك يا أخي حسين , هل تعتبر أنّ كلمة يهجر هي طعن بالنبيّ؟ ، وماذا تقول فيمن يتّهم النبيّ (ص) بالهجران؟ ، فقلت له على الفور : طبعاً كلمة يهجر هي طعن بالنبيّ (ص) , وأمّا من يتّهم النبيّ بالهجران فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، فقال مجتبى : الذين كانوا عند النبيّ (ص) صحابة أم منافقين؟ ، فقلت له: بلا شكّ إنّهم صحابة ، فضحك مجتبى وقال : إذن أنت لعنت الصحابة ، فقلت له: لكنّ الله أتمّ الدين بقوله : ( أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا ) ( المائدة : 3 ) ، فما الحاجة للوصيّة طالما أنّ الدين قد كمل؟ ، ثمّ إن كان هذا الأمر من الله فلماذا لم يبلّغه النبيّ (ص) أوليس هذا اتّهام للنبيّ أنّه قصّر بالتبليغ؟.
قال الأخ مجتبى : دعني أوضّح لك يا أخي , أمّا بالنسبة لما ذكرته من كلام الله عزّ وجلّ فلا نشكّ أنّ الله قد أتمّ الدين , ولكن هذه الآية لا تعني أن لا نسمع لكلام النبيّ؟ ، ولا تعني أن نتّهم النبيّ بالهجران؟ ، أولم يقل لهم النبيّ بعد حادثة الرزيّة ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحوما كنت أجيزهم ، وطلب تنفيذ جيش أُسامة ) لماذا سمعوا له إذن ونفّذوا كلامه؟.
إنتبه يا أخي حسين ، الله سبحانه وتعالى أمرنا بقوله : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ( الحشر : 7 ) ، إذن قول النبيّ حجّة علينا إلى آخر لحظة من حياته , وأمّا أنّ النبيّ أراد أن يأتي بشيء جديد ، فلا شكّ أنّ النبيّ لا ينطق عن الهوى فكُلّ ما يقولـه هو من عند الله عزّ وجلّ , ولم يكن ليأتي بأمر جديد إنّما أراد أن يكتب لهم أمراً سبق أن ذكره لهم ، لأنّ الله علم أنّ هذه الأُمّة لن تلتزم بهذا القول ، فلذلك أراد من نبيّه أن يكتب لهم هذا الكتاب , فالدين كامل ولا نشكّك فيه.
وأمّا قولك : لماذا لم يبلغ ما أمره به الله؟ فأقول : بما أنّنا سلّمنا أنّ النبيّ لا ينطق عن الهوى فلا شكّ أنّ الله أمره بكتابة الوصيّة , وحينما إتّهموا النبيّ بالهجران أمره الله أن لا يكتب هذا الوصيّة ، لأنّه من غير المستبعد أن يتّهموا النبيّ بالجنون لطالما إتّهموه بالهجران , وبهذا ربّما ينهار الإسلام ، ولكنّ الله أراد أن يترك هذه الحادثة عبر التاريخ لكي تبقى شاهداً إلى يوم القيامة على هؤلاء الذين طعنوا بالنبيّ (ص) ومنعوه من كتابة الوصيّة ، ولتبقى محل تساؤل لكُلّ باحث يبحث عن الحقّ ، فقلت له : برأيك ماذا كان النبيّ يريد أن يوصي؟ ، فقال : هذا أمر غيـبي , ولكن بما أنّك سألتني عن رأيي الشخصي والذي لا ألزم به أحداً فأقول : النبيّ كان يريد أن يؤمّن على الأمّة من الضلال وذلك بقوله : ( أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ) ، وإذا بحثنا في السنّة النبويّة عن الشيء الذي يؤمّن على الأُمة من الضلال فإنّنا لن نجد إلا حديث الثقلين بقوله : ( إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ).

 

 
الصفحة الرئيسية الصفحة التالية
الصفحة السابقة فهرس الكتاب