1 - قال الطبري في تاريخه ( 3 : 412 ) : ( نبذ عثمان
(ر) ثلاثة أيام لا يدفن ، ثمّ إنّ حكيم بن حزام القرشي
ثمّ أحد بن أسد بن عبد العزى ، وجبير بن مطعم بن عدي
بن نوفل بن عبد مناف كلّما عليّاً في دفنه ، وطلبا
إليه أن يأذن لأهله في ذلك ، ففعل وأذن لهم علي ،
فلمّا سمع بذلك قعدوا لـه بالطريق بالحجارة ، وخرج به
ناس يسير من أهله ، وهم يريدون به حائطاً بالمدينة
يقال له : (حش كوكب) كانت اليهود تدفن فيه موتاهم ...
فلمّا ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدم ذلك
الحائط حتّى أفضى به إلى البقيع ).
2 - وفي رواية أُخرى ( 3 : 440 ) قال محمّد : ( لبث
عثمان بعدما قتل ليلتين لا يستطيعون دفنه ، ثمّ حمله
أربعة ... فَلّما وضع ليصلّى عليه جاء نفر من الأنصار
يمنعونهم الصلاة عليه فيهم أسلم بن أوس بن بجرة
الساعدي ، وأبو حية المازني في عدّة ومنعوهم أن يدفن
بالبقيع ، فقال أبو جهم : إدفنوه ... فقالوا : لا
والله لا يدفن في مقابر المسلمين أبداً ، فدفنوه في حش
كوكب ، فلمّا ملكت بنو أُميّة أدخلوا ذلك الحش في
البقيع فهو اليوم مقبرة بني أميّة ).
3 - وقال الطبري ( 3 : 414 ) : ( لمّا قتل عثمان
أرادوا حزّ رأسه ، فوقعت عليه نائلة وأُمّ البنين
فمنعنهم وصحن وضربن الوجوه ... فقال إبن عديس ( وهو
صحابي من أصحاب بيعة الرضوان ) : إتركوه ، فأُخرج
وأرادوا أن يصلّى عليه ... فأبت الأنصار وأقبل عمير بن
ضابئ وعثمان موضوع على باب فنزا عليه فكسر ضلعاً من
أضلاعه ، وقال : سجنت ضائباً حتّى مات في السجن ).
4 - وقال إبن حجر في الإصابة في ترجمة أسلم بن بجرة
الأنصاري ( 1 : 214 ) : ( قال إبن عبد البّر : هو أحد
من منع من دفن عثمان بالبقيع ) ، وقال إبن الأثير في
الاستيعاب ( 1 : 75 ) : ( أسلم بن أوس بن بجرة بن
الحارث بن غياث ... الأنصاري الساعدي ، قال هشام
الكلبي : هو الذي منعهم من أن يدفنوا عثمان بالبقيع
فدفنوه في حش كوكب ) ، وقال إبن شبه النميري في تاريخ
المدينة ( 1 : 112 ) : ( عن عروة بن الزبير ، قال :
منعهم من دفن عثمان بالبقيع أسلم بن أوس بن بجرة
الساعدي ، قال : فإنطلقوا به إلى حش كوكب فصلّى عليه
حكم بن حزام ، وأدخل بنو أُميّة حش كوكب في البقيع ).
5 - وفي مجمع الزوائد ( 9 : 95 ) : ( عن مالك – يعني
إبن أنس – قال : قتل عثمان فأقام مطروحاً على كناسة
بني فلان ثلاثاً ، وأتاه إثنا عشر رجلاً منهم : جدّي
مالك بن أبي عامر ، وحويطب بن عبد العزّى ، وحكيم بن
حزام ، وعبد الله بن الزبير ، وعائشة بنت عثمان ، معهم
مصباح في حُق ، فحملوه على باب ، وأنّ رأسه تقول على
الباب : طق طق حتّى أتوا البقيع ، فإختلفوا في الصلاة
عليه ... ثمّ أرادوا دفنه ، فقام رجل من بني مازن فقال
: لئن دفنتموه مع المسلمين لأخبرنّ الناس غداً! ،
فحملوه حتّى أتوا به حش كوكب ... ) قال : رواه الطبري
وقال : الحش البستان ، ورجاله ثقات ، وإرجع إلى تهذيب
الكمال ( 19 : 457 ) ، وتلخيص الحبير لإبن حجر ( 5 :
275 ) .
- وفي كتاب مقتل عثمان للمدائني : ( 110 ) : ( إنّ
طلحة منع من دفنه ( يعني عثمان ) ثلاثة أيام ، وإنّ
عليّاً لم يبايع الناس إلاّ بعد قتل عثمان بخمسة أيام
، وإنّ حكيم بن حزام ، وجبير بن مطعم بن الحرث ،
إستنجدا بعليّ على دفنه ، فأقعد طلحة لهم في الطريق
ناساً بالحجارة ، فخرج به نفر يسير من أهله ، وهم
يريدون به حائطاً بالمدينة يعرف بحش كوكب ، كانت
اليهود تدفن فيه موتاهم ، فلمّا صار هناك رجم سريره
وهمّوا بطرحه ، فأرسل عليّ إلى الناس يعزم عليهم
ليكفّوا عنه ، فكفّوا ، فإنطلقوا به حتّى دفنوه في حش
كوكب ) ، فكان طلحة بن عبيد ذلك الصحابي المعدود من
العشرة المبشّرين بالجنّة يمنع من دفن عثمان ، ويقعد
الصحابة لرمي الحجارة على حملة عثمان بعد أن توسّط علي
بن أبي طالب (ر) في ذلك ، وأرضاهم بدفنه ، فطلحة كان
من قادة الثّوار على عثمان بن عفان ، ولأجل ذلك قال
الذهبي في طلحة بن عبيد : ( الذي كان منه - يعني طلحة
- في حقّ عثمان تمغفل وتأليب ) ، سير أعلام النبلاء (
1 : 35 ).
- وقال البلاذري ( 5 : 81 ) : ( عن إبن سيرين لم يكن
من أصحاب النبيّ (ص) أشدّ على عثمان من طلحة ).
- وقال إبن كثير في البداية والنهاية ( 1 : 191 ) :
وهو يعدّ عمّار بن ياسر من المحرّضين على عثمان : (
وكان عمّاراً متعصّباً على عثمان بسبب تأديبه له ،
وضربه إيّاه في ذلك ، وذلك بسبب شتمه عبّاس بن عتبة بن
أبي لهب ، فتآمر عمّار لذلك وجعل يحرّض الناس عليه ).
- وقال أيضاً : ( لا خلاف أنّه دفن بحش كوكب شرقي
البقيع , وقد بنى عليه زمان بني أُميّة قبّة عظيمة ،
وهي باقية إلى اليوم , وقد إعتنى معاوية في أيّام
إمارته بقبر عثمان ، ورفع الجدار بينه وبين البقيع
وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله حتّى إتصلت بمقابر
المسلمين ).
- وقال الطبري في تاريخه ( 3 : 440 ) : ( عن أبي عامر
، قال : كنت أحد حملة عثمان حين قتل , حملناه على باب
وأنّ رأسه لتقرع الباب لإسراعنا به ، وأنّ بنا من
الخوف لأمراً عظيماً حتّى واريناه في قبره في حش كوكب
).
ومن هذه النصوص الكثيرة نفهم أنّ الصحابة عموماً سواء
الذين كانوا في المدينة أو الذين كانوا خارج المدينة
قد نقموا على عثمان بن عفان ، لأجل تصرّفاته كما
يذكرها المؤرّخون وكما تقدّم قسم منها ، وهو أصرّ
عليها ولم يغيّر منها شيئاً ، فلذلك نقموا عليه ، ووصل
الحال بـهم إلى أن يكتبوا إلى الصحابة الذين خرجوا
لمحاربة الروم والفرس والدفاع عن حدود الدولة
الإسلاميّة ويدعوهم إلى المدينة وإلى أنّ الجهاد صار
فيها ضدّ الخليفة عثمان بن عفان ، لأنّه غيّر السنّة
النبويّة كما قالوا ، وسلّط بني أُميّة على رقاب
المسلمين وفيهم الصحابة الأجلاّء ، من البدريين ومن
أصحاب بيعة الرضوان ، ومن كبار المهاجرين والأنصار ،
فلذلك نقموا عليه ، فجاءوا إلى الخليفة بجيوش جرّارة
كالسيل العارم كما يصفها الطبري ، وحاصروه لفترة طويلة
من الزمن ، ومنعوا عنه الأكل والشرب ، وبعد ذلك دخلوا
عليه وقتلوه وفيهم صحابة بدريين : كعبد الرحمن بن عديس
البلوي ، وفيهم صحابة أجلاّء : كعمرو بن الحمق الخزاعي
، وطلحة بن عبيد الله ، وعمير بن ضابئ ، وأوس بن بجرة
الساعدي ، ومحمّد بن أبي حذيفة العبشمي ، وجهجاه
الغفاري ، وعمرو إبن العاص ، وغيرهم الكثير.
فيا أخي حسين ، هذه النصوص وغيرها الكثير تشهد على أنّ
الثورة قام بها الصحابة أنفسهم على عثمان بن عفان ،
لمّا رأووه بدّل وغيّر سنّة رسول الله (ص) ، فقضيّة
عبد الله بن سبأ تعدّ مهزلة أمام هذه الحقائق فإنّ
التاريخ وتراجم الرواة وكتب السير أغلبها تتكلّم عن
أنّ الثورة قادها الصحابة ضدّ عثمان بن عفان ولم يقدها
أو يحرّض عليها عبد الله بن سبأ ، أو حتّى إذا فرضنا
أنّه حرّض عليها فهو واحد من الآلاف ـ رغم أنّه ليس
لـه أي دور كما ذكرت المصادر ـ الذين نقموا على
الخليفة عثمان ضعفه الذي جعله يخالف سنّة رسول الله
(ص).
والخلاصة : التي أريد أن أوصلها لك يا أخي حسين أنّ
الذي نستنتجه من البحث عدة أُمور :
1 - إنّ الصحابة عموماً سواء من كان في المدينة أو من
كان خارجها هم الذين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان.
2 - إنّ هناك من الصحابة من كان بدريّاً وشهد بيعة
الرضوان كعبد الرحمن بن عديس البلوي والذي قاد جيشاً
ضدّ عثمان بن عفان ، والآخر
الصحابي الرضواني جهجاه الغفاري كان من المحرّضين
عليه.
3 - كذلك في الصحابة بدريّون قاموا بالثورة على عثمان
بن عفان كطلحة بن عبيد من العشرة المبشّرين بالجنّة
وغيره.
4 - إنّ الخليفة عثمان بن عفان كان يخالف السنّة
النبويّة وسنّة الشيخين فلذلك قال عنه الصحابة : إنّ
الجهاد ضدّه واجب.
5 - إنّ الصحابة قتلوا الخليفة عثمان بن عفان وتركوه
ثلاثة أيّام يمنعون من دفنه ، وكان فيهم جماعة من
الأنصار والمهاجرين.
6 - إنّهم توسّلوا بعليّ بن أبي طالب (ر) لمنع الناس
حتّى يدفن الخليفة.
7 - إنّهم دفنوا الخليفة عثمان سرّاً ، خوفاً من أن
ينبش من شدّة نقمة الصحابة عليه.
8 - إنّهم منعوه من أن يدفن في مقابر المسلمين ، فلذلك
دفنوه في حش كوكب ، كانت مقبرة لليهود يدفنون فيها
موتاهم ، فدفن الخليفة معهم ، ولمّا استولى معاوية على
الحكم أدخل حش كوكب ضمن البقيع.
9 - إنّ معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص من
الثائرين على الخليفة عثمان بن عفان ، فعمرو بن العاص
كان يؤلّب العرب عليه حتّى الذين يسكنون في الجبال ولا
يعرفون شيئاً ، ومعاوية لم ينصر عثمان عندما طلب منه
النصرة ، وقال : إنّي أكره أن أُخالف أصحاب محمّد (ص)
الثائرين عليه ، فقلت له : يا أخي باقر ، لكن عليّاً
(ر) أرسل ولديه الحسن والحسين (ر) للدفاع عن الخليفة
عثمان بن عفان (ر)؟.
فقال جواد :
أوّلاً : إنّ هذه الرواية لا تصحّ سنداً ، وهذه كتب
السنّة أمامك أعطني حديثاً واحداً صحيحاً؟!.
ثانياً : إذا كنت تعتقد أنّ عليّاً (ر) كان من
المدافعين عن عثمان ، فلماذا لم يعتقد نفس هذا الأمر
معاوية وعائشة حيث إنهم اتّهموه بأنّه يأوي قتلة عثمان
، وحاربوه في معركتي الجمل وصفّين؟! ، اللهمّ إلاّ إذا
كنت أنت أعلم ممّن كان في ذلك الزمان ، هذا ، ناهيك
أنّه لم يثبت أنّ أحداً من الصحابة رفع سيفه دفاعاً عن
عثمان ، بل كان هنالك شبه إجماع على قتل عثمان ، ودعني
أزيدك من الشعر بيتاً : لقد ثبت أنّ عثمان قد حوصر
لمدّة تترواح ما بين عشرين إلى أربعة وأربعين يوماً ،
فأين كان الصحابة والمسلمون عن خليفتهم؟! ، فعثمان لم
يقتل غدراً ، بل حوصر طول هذه المدّة ولم يجد وليّاً
ولا نصيراً.
إعلم يا أخي حسين ، أنّ إبن سبأ أدخلوه في هذه الفتنة
كما يسمّيها الأخوة السنّة رغم أنّه لا يوجد أي دليل
على اشتراكه فيها ، ولكن خوفاً من إنهيار نظرية عدالة
الصحابة عند الأخوة السنّة الصقوا التهمة بشخصيّة عبد
الله بن سبأ سواء كانت حقيقيّة أم وهميّة , هذا ناهيك
عن إعتراف بعض علماء السنّة أنّه شخصيّة وهميّة لا
وجود لها ، فأنت مثلاً تترضّى على كُلّ الصحابة ، فهل
تستطيع أن تقول : رضي الله عن عمرو بن الحمق الخزاعي
وعن عبد الرحمن بن عديس البلوي اللذان شاركا في قتل
عثمان بن عفان (ر)؟!.
هنا شعرت بالحرج الشديد أمام هذه المفارقة الكبيرة
وتّهربت من الجواب بسؤاله : مَن مِن أهل السنّة قالوا
: إنّه شخصيّة وهميّة؟.
تبسّم جواد وكأنّه يريد أن يخبرني أنّه يعلم بالحرج
الذي وقعت فيه وقال وهو يتناول كتاباً كان بجانبه :
- قال الدكتور الأستاذ سهيل زكار محـقّق كتاب (
المنتظم لابن الجوزي ) في المجلّد الثالث من المنتظم
هامش : ( 302 ) : ( المرجّح أنّ إبن سبأ لم يوجد
بالمرّة ، بل هو شخصيّة مخترعة ).
- وقال الدكتور عبد العزيز الهلابي الأستاذ في قسم
التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض في كتاب عبد الله
بن سبأ : ( 71 ) : ( الذي نخلص إليه في بحثنا هذا أنّ
إبن سبأ شخصيّة وهميّة لم يكن لها وجود فإن وجد شخص
بهذا الاسم فمن المؤكّد أنّه لم يقم بالدور الذي أسنده
إليه سيف وأصحاب كتب الفرق ، لا من الناحية السياسيّة
ولا من ناحية العقيدة ).
- وقال الكاتب أحمد عبّاس صالح في كتاب اليمين واليسار
في الإسلام : ( 95 ) : ( وهنا يتردّد إسم عبد الله بن
سبأ ، وهو شخص كان يهوديّاً وأسلم ، تصوّره كتب
التاريخ على أنّه كان الشيطان وراء الفتنة التي قتل
فيها عثمان ، بل وراء الأحداث جميعاً ... وقد وقف منه
الكتّاب مواقف متعارضة فمنهم من ينكر وجوده أصلاً ،
ومنهم من يعتبره أساس كُلّ ما جرى ، بل أساس ما دخل في
الإسلام من مذاهب غريبة منحرفة ).
وعبد الله بن سبأ شخص خرافي بغير شكّ ، فأين هو من هذه
الأحداث جميعاً ؟ ، وأين هو من الصراعات الناشئة في
هذا العالم الكبير المتعدّد ..؟ ، وماذا يستطيع شخص
مهما تكن قيمته أن يلعب بمفرده بين هذه التيّارات
المتطاحنة؟.
إنّ الأحداث السريعة العنيفة المتلاحقة لم تكن في حاجة
إلى شخص ما حتّى ولو كان الشيطان نفسه ، لأنّ أصولها
بعيدة الغور ، وقوّة إندفاعها لا قبل لأحد بالسيطرة
عليها أو توجيهها ، فضلاً عن تشابكها وتعدّدها بما لا
يدع لأيّ قوّة أن تزيدها تعقيداً.
وساذج بغير شكّ التفكير الذي يتّجه إلى خلق شخصيّة
خرافيّة كهذه ليعطيها أيّ أثر فيما حدث من أحداث ،
وأكثر سذاجة منه من يظنّ لهذا الرجل تأثيراً ما على
كبار الصحابة ، ومنهم أبو ذر الغفاري نفسه الذي لم
يقـبل مناقشة من أبي هريـرة المحدّث المعروف ، وضربه
فشجّه قائلاً في إزدراء : ( أتعلّمنا ديننا يابن
اليهوديّة ) ، إنّما كُلّ ما حيك من قصص حول عبد الله
بن سبأ هو من وضع المتأخّرين ، فلا دليل على وجوده في
المراجع القديمة فضلاً عن سخافة التفكير في إحتمال
وجوده أصلاً ، وهناك غيرهم ممّن شككّ في وجود هذه
الشخصيّة كالباحث السلفي الشيخ حسن فرحان المالكي في
كتابه نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي.