بعد تناول العشاء جلسنا نتبادل الأحاديث ونحن نشرب
الشاي ، فقال الأخ باقر موجّهاً كلامه للأخ مجتبى
والأخ جواد والأخ كاظم : كما أخبرتكم أنّ الأخ حسين من
إخواننا السنة ، وهو يبحث عن الفرق بين مذهب أهل البيت
(ر) ومذهب السنة ، فقال الأخ جواد : تفضّل يا أخ حسين
وإطرح ما لديك من إستفسارات ونحن بخدمتك .
فقلت له : قبل أن أطرح أسئلتي وإستفساراتي أتمنّى
عليكم أن تكونوا واسعي الصدر معي ، فتبسّم الأخ مجتبى
وقال : سل ما بدا لك ولا تهتم يا أخي ، فقلت لهم :
أنتم تدّعون أن عبد الله بن سبأ شخصيّة وهميّة ، بينما
كتب أهل السنّة وكتب الشيعة تؤكّد أنّها شخصية واقعية!
فقال لي الأخ جواد : وما الذي سيغير في الأمر سواء
كانت هذه الشخصية حقيقة أو وهمية؟!.
فقلت له : حسب إطلاعي أنّ الشيعة تنتسب إلى عبد الله
بن سبأ ، ووجود هذه الشخصية في كتبكم يؤكّد هذه
الحقيقة! ، فتبسّم الأخ جواد وطلب من الأخ باقر أن
يأتيه بكتاب رجال الكشي ، فجاءه بالكتاب ، وأخذ يقرأ
لي الرواية وهي : عن أبي عبد الله (ع) قال : ( لعن
الله عبد الله بن سبأ ، إنّه ادّعى الربوبيّة في أمير
المؤمنين (ع) ، وكان والله أمير المؤمنين (ع) عبداً
لله طائعاً ، الويل لمن كذب علينا ، وإنّ قوماً يقولون
فينا ما لا نقول في أنفسنا ، نبرأ إلى الله منهم ،
نبرأ إلى الله منهم ) ، ( إختيار معرفة الرجال للكشي :
7 ).
ثُمّ قال الأخ جواد : هذه هي الرواية التي في كتبنا ،
فكما سمعت الإمام أبي عبد الله (ع) يلعن عبد الله بن
سبأ ، فكيف يكون الشيعة تبعاً لشخصٍ لعنه أئمتهم؟! ،
ألا تجد أنّ هذا ينافي العقل والمنطق ، فقلت له :
أوافقك الرأي ، ولكن لماذا تدّعون أنّه شخصيّة وهميّة
وهو موجود في كتبكم؟! ، فقال الأخ جواد : من خلال
مراجعتي للتاريخ الإسلامي تبيّن لي أنّ هذه الشخصيّة
ذُكرت في موردين :
الأول : إنّه ادّعى الألوهيّة في علي بن أبي طالب (ر).
والثاني: إنّه كان سبب الفتنة في مقتل الخليفة الثالث
عثمان بن عفان ، وحينما بحثت في سيرة مقتل عثمان بن
عفان لم أجد لـه وجود في أي حدث من أحداث مقتل عثمان ،
وكُلّ ما وجدته أنّ الفتنة تنسب إليه ، ولعمري أنّ هذا
الكلام لا يقبله أي عاقل ، فإنّ الذين قتلوا عثمان
جاءوا من بلدان متفرّقة ، من مصر والعراق والمدينة ومن
أماكن أُخرى ومن الصعب على شخص بإمكانيات عبد الله بن
سبأ أن يجمع بين كُلّ هؤلاء في زمن كانت كُلّ أنواع
الإتصالات شبه معدومة ، هذا ناهيك أنّ مخابرات الحكّام
تراقب كُلّ كبيرة وصغيرة تجري في كُلّ مكان.
ولكن دعني أطرح السؤال التالي : وهو لمصلحة من أوجد
عبد الله بن سبأ؟ ، عندما راجعت المصادر التاريخية
الموثّقة وجدت أنّ عبد الله بن سبأ ، والروايات التي
صوّرته ووضعت حوله كانت لأجل التغطية على أمرٍ عظيم
وخطير ، وهو ثورة الصحابة على الخليفة عثمان بن عفان ،
وقيامهم ضده وضد ملك بني أُمية حتّى قتلوه ، فعرفت أنّ
الصورة التي صوّروا بها عبد الله بن سبأ كانت لأجل
إبقاء قتل الصحابة لعثمان بن عفان مسكوتاً عنه
ومستوراً ، فقاطعته قائلاً : هل لك أن تؤكّد ما تفضّلت
به بأحاديث وروايات صحيحة من كتبنا المعتبرة ، فقال :
سأنقل لك الأحاديث التي ذكرت الحادثة على لسان
المحدّثين والمؤرّخين :
- قال الطبري في تاريخه ( 4 : 367 ) : ( عن عبد الرحمن
بن يسار أنّه قال: لما رأى الناس ما صنع عثمان كتب من
بالمدينة من أصحاب محمّد (ص) إلى من بالآفاق منهم ،
وكانوا قد تفرّقوا في الثغور : إنّكم خرجتم أن تجاهدوا
في سبيل الله عزّ وجلّ ، تطلبون دين محمّد (ص) ، فإنّ
دين محمّد قد أفسد من خلفكم وترك ، فهلّموا فأقيموا
دين محمّد (ص) ، فأقبلوا من كُلّ أُفق حتّى قتلوه ) ،
فالصحابة هم الذي قتلوا عثمان ، ودعوا إخوانهم من
الصحابة خارج المدينة إلى القدوم والجهاد معهم ضد
عثمان بن عفان لأنّه أفسد في الدين كما يقولون.
- وإقرأ معي هذا النصّ الثاني قال الطبري ( 3 : 375 )
: ( كتب أصحاب رسول الله (ص) بعضهم إلى بعض : أن
أقدموا فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد ، وكثر
الناس على عثمان ، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد ،
وأصحاب رسول الله (ص) يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى
ولا يذبّ إلاّ نفر : زيد بن ثابت ، وأبو أسيد الساعدي
، وكعب بن مالك وحسّان بن ثابت ، فإجتمع الناس وكلّموا
عليّ بن أبي طالب فدخل على عثمان فقال : الناس من
ورائي ، وقد كلموني فيك ... فالله الله في نفسك ،
فإنّك والله ما تبصر من عمى ... وإنّ الطريق لواضح
بيّن ... تعلم ياعثمان أنّ أفضل عباد الله عند الله
إمام عادل هدى وهدي ).
- وفي تاريخ إبن عساكر ( 7 : 201 ) ، وتاريخ الخلفاء :
( 133 ) : ( قدم أبو الطفيل الشام يزور إبن أخ له من
رجال معاوية ، فأخبر معاوية بقدومه ، فأرسل إليه فأتاه
وهو شيخ كبير فلمّا دخل عليه قال له معاوية : أنت أبو
الطفيل عامر بن واثلة؟ ، قال : نعم ، قال معاوية :
أكنت ممّن قتل عثمان أمير المؤمنين؟ ، قال : لا ، ولكن
ممّن شهده فلم ينصره ، قال : ولِمَ؟ ، قال : لَم ينصره
المهاجرون والأنصار ) ، فأهل المدينة كانوا من
الثائرين على عثمان بن عفان ، وبعضهم غير مناصر له ،
وبعضهم كتب إلى الأمصار بالقدوم إلى المدينة وأنّ
الجهاد فيها.
- وقال ابن سعد في الطبقات الكبرى ( 3 : 67 ) : قال :
( أشرف عثمان على الذين حاصروه فقال : يا قوم ، لا
تقتلوني فإنّي والٍ وأخ مسلم ... فلمّا أبوا ، قال :
اللّهُمَّ أحصهم عدداً ، وإقتلهم بدداً ، ولا تبق منهم
أحداً ، قال مجاهد : فقتل الله منهم من قتل في الفتنة
، وبعث يزيد إلى أهل المدينة عشرون ألفاً ، فأباحوا
المدينة ثلاثاً يصنعون ما شاءوا لمداهنتهم ) ، فيا أخي
حسين ، كما ترى أنّ أهل المدينة وعلى رأسهم الصحابة هم
الذين خرجوا على عثمان ، فأغلبهم لم ينصره ، فلهذا
أرسل عليهم يزيد بن معاوية من يقتلهم ويسبي نساءهم
ويستبيح أعراضهم.
- وقال إبن سعد في الطبقات ( 3 : 71 ) : ( كان
المصريّون الذين حاصروا عثمان ستمائة ، رأسهم عبد
الرحمن بن عديس البلوي , وكنانة بن بشر بن عتاب ،
وعمرو بن الحمق الخزاعي ، والذين أقاموا من الكوفة
مئتين رأسهم مالك الأشتر ، والذين قدموا من البصرة
مائة رجل رأسهم حكيم بن جبلة العبدي ... وكان أصحاب
النبيّ (ص) الذين خذلوه كرهوا الفتنة ) ، وإلى الآن يا
أخي حسين ، لا وجود لعبد الله بن سبأ في الثورة على
عثمان ، وإنّما كُلّهم من الصحابة ومن المهاجرين
والأنصار.
- وأخرج الطبري في تاريخه ( 3 : 402 ) قال : ( كتب
عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام : بسم الله
الرحمن الرحيم : أمّا بعد ، فإنّ أهل المدينة قد كفروا
( إنظر كَفّرهم ) ، وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة ،
فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كُلّ صعب
وذلول ، فلمّا جاء معاوية الكتاب تربص به وكره مخالفة
أصحاب رسول الله (ص) ، وقد علم اجتماعهم ) ، فهذه
الرواية تفيدنا بأنّ الصحابة في المدينة هم الذين
قاموا ضدّ عثمان بن عفان ، وأرادوا خلعه من الخلافة ،
وقد وصف الخليفة عثمان الصحابة الذين بالمدينة بأنّهم
كفروا!! ، وأنّهم نكثوا البيعة ، فلذلك إستنجد بمعاوية
لأجل مقاتلتهم ، لأنّهم كفرة بنظره ، والموقف الآخر هو
موقف معاوية بن أبي سفيان حيث لم يبعث بجيش إلى نصرة
الخليفة عثمان بن عفان ، وقد علّل ذلك بأنّه كره
مخالفة أصحاب النبيّ (ص) ، فهذا يعني يا أخي حسين ،
أنّ هناك شبه إجماع من الصحابة على قتل عثمان وخلعه عن
الخلافة.
- وقال الطبري في تاريخه ( 3 : 411 ) وهو يشير إلى
مشاركة طلحة بن عبيد الله في قتل عثمان : ( وكان إبن
عديس هو وأصحابه هم الذين يحصرون عثمان ، فكانوا
خمسمائة ، فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يوماً ،
وسمعنا كلاماً : منهم من يقول : ما تنتظرون به ، ومنهم
من يقول : إنظروا عسى أن يراجع ، فبينا أنا وهو واقفان
إذ مرّ طلحة بن عبيد الله فوقف فقال : أين إبن عديس؟
فقيل : ها هوذا ، قال : فجاءه إبن عديس ، فناجاه بشيء
ثمّ رجع إلى إبن عديس فقال : لا تتركوا أحداً يدخل على
هذا الرجل ولا يخرج ... قال : فقال لي عثمان : هذا ما
أمر به طلحة بن عبيد الله ثمّ قال عثمان : اللهم أكفني
طلحة بن عبيد الله فإنّه حمل عليّ هؤلاء وألّبهم ،
والله إنّي لأرجو أن يكون منها صفراء ، وأن يسفك دمه ،
إنّه إنتهك منّي ما لا يحلّ له ).
وأمّا كيفية قتله :
- قال إبن سعد في الطبقات ( 3 : 73 ) : ( إنّ محمّد بن
أبي بكر تسوّر على عثمان من دار عمرو بن حزم ومعه
كنانة بن بشر بن عتاب وسودان بن حمران وعمرو بن الحمق
، فوجدوا عثمان عند إمرأته نائلة ... فتقدّمهم محمّد
بن أبي بكر فأخذ بلحية عثمان فقال : قد أخزاك الله يا
نعثل! فقال عثمان : لست بنعثل ولكن عبد الله وأمير
المؤمنين ، فقال محمّد : ما أغنى عنك معاوية وفلان ،
فقال عثمان : يا بن أخي ، دع عنك لحيتي فما كان أبوك
ليقبض على ما قبضت عليه ، فقال محمّد : ما أُريد منك
أشدّ من قبضي على لحيتك ... ثمّ طُعن في جبينه بمشقص
في يده ، ورفع كنانة بن بشر بن عتاب مشاقص كانت بيده
فوجأ بها في أصل أُذن عثمان ، فمضت حتّى دخلت في حلقه
ثمّ علاه بالسيف حتّى قتله ) ، قال عبد الرحمن بن عبد
العزيز فسمعت إبن أبي عوف يقول : ( ضرب كنانة بن بشر
جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبه ، وضربه سودان
بن حمران المرادي بعدما خرّ لجنبه فقتله ، وأمّا عمرو
بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق فطعنه
تسع طعنات وقال : أما ثلاث منهنّ فإنّي طعنتهن لله ،
وأمّا ست فإنّي طعنت إيّاهن لما كان في صدري عليه ) ،
وأيضاً رواها الطبري في تاريخه ( 3 : 424 ).
- وفي تاريخ إبن عساكر ( 35 : 107 ) : ( عبد الرحمن بن
عديس البلوي بن عمرو بن كلاب ... أبو محمّد البلوي لـه
صحبة ، وهو ممّن بايع تحت الشجرة ، وكان ممّن سكن مصر
وأعان على قتل عثمان (ر) ، فحبسه معاوية ببعلبك ...
فهرب فأدرك بجبل لبنان من أعمال دمشق فقتل ).
- وقال إبن حجر في الإصابة ( 4 : 281 ) : ( عبد الرحمن
بن عديس بن عمرو بن كلاب أبو محمّد البلوي ، قال إبن
سعد : صحب النبيّ (ص) وسمع منه وشهد فتح مصر ، وكان
فيمن سار إلى عثمان ، وقال إبن البرقي والبغوي وغيرهما
: كان ممّن بايع تحت الشجرة ، وقال إبن أبي حاتم عن
أبيه : له صحبة ، وكذا قال عبد الغني بن سعيد ، وأبو
علي بن السكن وإبن حبّان ، وقال إبن يونس : بايع تحت
الشجرة ، وشهد فتح مصر ، وإختطّ بها ، وكان من الفرسان
، ثمّ كان رئيس الخيل التي سارت من مصر إلى عثمان في
الفتنة ).
- وفي الطبقات الكبرى لإبن سعد ( 6 : 25 ) قال : (
عمرو بن الحمق بن الكاهن بن حبيب بن عمرو ... من خزاعة
صحب النبيّ (ص) ، ونزل الكوفة وشهد مع عليّ (ر) مشاهده
، وكان فيمن سار إلى عثمان وأعان على قتله ، ثمّ قتله
عبد الرحمن إبن أمّ الحكم بالجزيرة ، أخبرنا محمّد بن
عمرو ، عن عيسى بن عبد الرحمن ، عن الشعبي قال : أوّل
رأس حمل في الإسلام رأس عمرو بن الحمق ).
- وقال إبن الأثير في أُسد الغابة ( 4 : 101 ) : (
وكان – يعني عمرو بن الحمق – ممّن سار إلى عثمان بن
عفان (ر) ، وهو أحد الأربعة الذين دخلوا عليه الدار
فيما ذكروا ، وصار بعد ذلك من شيعة علي ، وشهد معه
مشاهده كُلّها : الجمل وصفّين والنهروان ، وأعان حجر
بن عدي وكان من أصحابه ، فخاف زياداً فهرب من العراق
إلى الموصل ... أوّل رأس حمل في الإسلام رأس عمرو بن
الحمق ) ، فلاحظ يا أخي حسين ، أنّ عمرو بن الحمق
الخزاعي رغم كونه من قتلة عثمان ، بل وهو الذي طعنه
تسع طعنات , إلا أنّه كان من قادة جيش علي بن أبي طالب
(ر) ، وشهد معه حروبه كُلّها.
- وقال الإمام الذهبي في كتابه الكاشف في معرفة من له
رواية في كتب الستة ( 2 : 75 ) : ( عمرو بن الحمق
صحابي ... قتل بالموصل سنة 51 بعثمان ) ، وراجع ترجمته
في تهذيب التهذيب لإبن حجر ( 8 : 22 ) ، والإصابة ( 4
: 515 ) .
- وقال الزركلي في الأعلام ( 5 : 76 ) : ( عمرو بن
الحمق بن كاهل الخزاعي الكعبي صحابي من قتلة عثمان ،
سكن الشام ، ثمّ إنتقل إلى الكوفة ، ثمّ كان أحد
الرؤوس الذين إشتركوا في قتل عثمان ).
- وفي كتاب الأوائل للطبراني : ( 107 ) قال : ( عن
هنيدة بن خالد الخزاعي ، قال : أوّل رأس أُهدي في
الإسلام رأس عمرو بن الحمق أُهدي إلى معاوية ) ، وقال
: إسناده حسن رجاله ثقات.